مركز الثقافة والمعارف القرآنية

446

علوم القرآن عند المفسرين

الجزالة لا تصح في خطاب غيره ، ولا يصح من أعظم ملوك الدنيا أن يقول : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ « 1 » ، ولا أن يقول : وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ « 2 » . قال ابن الحصار : وهذه الثلاثة من النظم ، والأسلوب ، والجزالة ، لازمة كل سورة ، بل هي لازمة كل آية ، وبمجموع هذه الثلاثة يتميز مسموع كل آية وكل سورة عن سائر كلام البشر ، وبها وقع التحدي والتعجيز ، ومع هذا فكل سورة تنفرد بهذه الثلاثة ، من غير أن ينضاف إليها أمر آخر من الوجوه العشرة ، فهذه سورة « الكوثر » ثلاث آيات قصار ، وهي أقصر سورة في القرآن ، وقد تضمنت الإخبار عن مغيّبين : أحدهما - الإخبار عن الكوثر وعظمه وسعته وكثرة أوانيه ، وذلك يدل على أن المصدقين به أكثر من أتباع سائر الرسل . والثاني - الإخبار عن الوليد بن المغيرة ، وقد كان عند نزول الآية ذا مال وولد ، على ما يقتضيه قوله الحق : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً . وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً . وَبَنِينَ شُهُوداً . وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً « 3 » ثم أهلك اللّه - سبحانه - ماله وولده ، وانقطع نسله . ومنها : التصرف في لسان العرب على وجه لا يستقل به عربى ، حتى يقع منهم الاتفاق من جميعهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف موضعه . ومنها : الإخبار عن الأمور التي تقدمت في أول الدنيا إلى وقت نزوله من أمي ما كان يتلو من قبله من كتاب ، ولا يخطه بيمينه ، فأخبر بما كان من قصص الأنبياء من أممها ، والقرون الخالية في دهرها ، وذكر ما سأله أهل الكتاب عنه ، وتحدوه به من قصة أهل الكهف ، وشأن موسى والخضر عليهما السّلام ، وحال ذي القرنين ، فجاءهم - وهو أمي من أمة أمية ، ليس لها بذلك علم - بما عرفوا من الكتب السالفة صحته ، فتحققوا صدقه . قال القاضي ابن الطيب : - ونحن نعلم ضرورة - أن هذا مما لا سبيل إليه إلا عن تعلم ، وإذا كان معروفا أنه لم يكن ملابسا لأهل الآثار ، وحملة الأخبار ، ولا مترددا إلى المتعلم منهم ، ولا كان ممن يقرأ فيجوز أن يقع إليه كتاب فيأخذ منه ، علم أنه لا يصل إلى علم ذلك إلا بتأييد من جهة الوحي .

--> ( 1 ) سورة غافر : الآية 16 . ( 2 ) سورة الرعد : الآية 13 . ( 3 ) سورة المدّثر : الآية 11 - 14 .